|
 رأي عبد الرحمن زروق
|
|
دارت معظم الكتابات بعد استرداد هجليج حول ضرورة استشراف مرحلة جديدة تركز على عدم تكرار الأزمات والكف عن اعادة انتاجها، من خلال استيعاب الدروس التي ما زالت حاضرة امامنا بشدة، وتمحورت الدعوات بشكل خاص على أن السبيل إلى ذلك يكون بالمشاركة الحقيقية وليست الصورية في الحكم، بحيث يتم استيعاب كافة ألوان الطيف السياسي حتى ذلك الذي ما يزال في « طور التكوين» إن صح طرح هذه العبارة بهذا الشكل كما سنوضح لاحقا..
ولعل ما دعا الناس إلى التفكير بهذه الطريقة أن مسألة هجليج استثارت شعورا قوميا سودانيا طاغيا تمثل في مساندة القوات المسلحة التي تمكنت من اجلاء المعتدين عن المنطقة، وأن الناس الذين ابدوا هذه المساندة يمثلون النسبة العظمى من الشعب السوداني، حيث أن ما حدث في هجليج كان هزة سياسية وعسكرية كبرى تمثلت أولا في الشعور بالخيبة من احتلال دولة وليدة لجزء من الوطن، والثانية في الاحساس الطاغي بالارتياح عند استرداد المنطقة، وأنه لذلك فإن الانفعال الكبير في الحالتين صدر عن مكون جماهيري هائل قادر على احداث مختلف التأثيرات، وأنه ينبغي وضعه في الحسبان باعتبار أنه يمثل طيفا واسعا من المواقف الوطنية الخالصة والانتماءات السياسية، وأنه بالتالي ينبغي أن يكون مسموع الصوت ليس فقط في تظاهرات التأييد وإنما أيضا في ادارة البلاد طالما أنه ينطوي على وجود محسوس ذي تأثير واضح..
وإذا نظرنا إلى الصورة بطريقة أوسع فإن اهمال كل هذه الكتل الجماهيرية وعدم سماع صوتها يعني من جانب أن الاهتمام بها يقتصر فقط عند الملمات والأزمات التي تهدد الوطن ومن ثم تهدد الحكومة، وأن الفهم ينبغي أن يكون شاملا فليست الوطنية أمرا يقتصر على الحرب فقط، وليست هي شعور مظهري يتجلى في تظاهرات التأييد والمساندة، لكنها وقبل ذلك تنطوي على الاحساس بالمسؤولية والعزم على محاربة معوقات النماء والقضاء على مكامن الفساد والفوضى ومحاسبة المسؤولين عن مختلف أوجه التقصير وافساح المجال امام القدرات المبدعة والخلاقة التي يفرزها الاجماع الوطني بالوسائل الديموقراطية، مثل الانتخابات الحرة النزيهة، للنهوض بمختلف مجالات الحياة، وبالتالي فإن الوطنية الحقة تستنكف استمرار المسؤولين الذين اعتادوا ادمان الفشل وبالتالي اغرقوا البلاد في مستنقع التردي والتراجع..
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل المؤتمر الوطني مؤهل للاقبال على خطوة مثل هذه، أي الشروع في عملية سياسية فاعلة وحقيقية من شأنها استيعاب الجميع ؟..
هنا قد ينبري أهل الحكم إلى القول: إننا فعلا اقدمنا على ذلك في الانتخابات الأخيرة وأن الآخرين هم الذين رفضوا المشاركة، وأنهم « المؤتمر الوطني» يحظون بالمساندة الشعبية وأنهم يمثلون الشعب.. لكن دون الاسترسال في مثل هذا الجدل يكفي الاشارة إلى المشاكل القائمة في جميع انحاء السودان لندرك أن هذا التمثيل في الحكم لم يكن كاملا ولا شاملا، وأن المصاعب القائمة تعبر عن هذا الخلل سواء في الاقتصاد او السياسة أو غيرهما..
وقد رأينا كيف سارع النظام إلى الحصول على تأييد الآخرين في الحرب، وأن الجميع هبوا لمساندة القوات المسلحة، ليس حبا في المؤتمر الوطني، لكن من أجل استرداد هجليج التي تمثل قطعة من الوطن ينبغي تخليصها من الاحتلال..
إن استشراف المرحلة المقبلة والاقبال على استحقاقاتها يستوجب أفقا واسعا ومرونه كبيرة واعترافا من قبل المؤتمر الوطني بالقصور في ادارة مختلف الشؤون وأن الانفراد بالحكم لا يخلف سوى امتعاض الآخرين وهو امتعاض قد يتبلور في شكل فعل سياسي مناوئ قد تكون له أسنان، وأن سياسات التمكين التي قال رئيس الجمهورية من قبل انها صارت من مخلفات الماضي ينبغي ان تكون فعلا كذلك، فمن خلالها تم ابعاد كفاءات نادرة عن ادارة مختلف شؤون الدولة ذلك على الرغم من الاحتياج الشديد لها، وأن تلك السياسات القاصرة قد نمت في نفوس راسميها إلى الدرجة التي باتوا معها لا يستمعون إلى أي نصح على الرغم من تداعي وموت منشآت اساسية ومشروعات مثلت محور النهوض بالبلاد في الماضي وكان يمكن أن تكون رائدة مستقبلا لو اتيح لها الاستمرار في اطار التطور الطبيعي لها، بل إننا نرى بالفعل أن هناك تراجعا في الشأن التنموي بالذات، فضلا عن تراجع واضح في الأداء على المستوى الدولي وفي العلاقات مع الدول الأخرى أفرز وجودا منزويا عن الدائرة الدولية الفاعلة وبالتالي عدم التمكن من الافادة مما يمكن أن يوفره الحضور الفاعل في الأسرة الدولية من مزايا لا غنى عنها لأي دولة نامية..
إن العقليات التي قادت إلى كل تلك النتائج السلبية لن تستطيع بأي حال من الأحوال التفاعل بطريقة جيدة مع متطلبات المرحلة المقبلة، وقد يكون المؤتمر الوطني كحزب يحتفظ بقدر من القوة تمكنه من خوض انتخابات مقبلة، لكنه قادر على ذلك فقط لأنه تماهى في الدولة أو أن الدولة تماهت فيه فأصبح هو الحزب الحاكم وهو الحكومة أيضا، وعليه أن يختبر قوته الحقيقية من خلال فك هذا الارتباط مع الحكومة، ومنازلة الآخرين على أسس متساوية، وأن يقبل هذا التحدي لأنه السبيل الوحيد لاخراج البلاد من أزماتها، حيث يجد الآخرون أنهم فعلا في موقع القرار وادارة البلاد بصورة متساوية مع كل ألوان الطيف السياسي..
ويستدعي ذلك أن يخرج المؤتمر الوطني عن صورته التقليدية ويمارس اللعبة السياسية وفقا لقوانينها التي تنطبق على الجميع، وأن يجرب كيف يستطيع أن يكون كفؤا بعيدا عن المظلة الحكومية وعن الأموال الحكومية..
وقد يجوز لنا القول، من جانب آخر، ان المنازلة السياسية المأمولة لن تستثنى جموعا كبيرة تتمثل في جانب منها في الشباب البعيدين عن تأثيرات مختلف الاحزاب، لكنهم مسكونون بشعور وطني كبير وطاغ، وأنهم ينأوون بأنفسهم في كل حين وآخر عما يجري أمامهم من مسالك حزبية لا ترقى إلى مستوى التحديات التي تواجهها البلاد، وقد حملت الأنباء مؤخرا تجارب حزبية مخزية في انتخابات جامعتين على الأقل من شأنها زيادة الرفض الطلابي والشبابي للممارسات غير السوية من الحزب الحاكم، وبالنسبة للشباب أيضا فإن الممارسة السياسية تقتضي وجود اطارات وبنى يمكن أن تستوعب أفكار منتسبيها وتنادي بها وتدافع عنها، و هناك حاجة لاستيعاب كل تلك الجموع الشبابية المؤثرة في دائرة أو في دوائر ذات تشكيل تنظيمي يستطيع من خلالها الشباب وحتى غير الشباب اعطاء أفضل ما لديهم من أجل تجاوز المصاعب والاقبال بجد على مهام بناء سودان واعد لهم وللأجيال المقبلة..
وليس من سبيل إلى استقطاب الشباب وغيرهم إلى ساحة الفعل السياسي سوى اطلاق الحريات العامة بحيث يستطيعون الوقوف على مختلف الخيارات التي تتناسب وتوجهاتهم، فالحرية الحقيقية تفرز الأفضل والأحسن، أما أجواء الخوف والريبة فإنها لن تورثنا غير المزيد من الاخفاق والاستغراق في اجترار الأفعال الفاشلة يوما بعد الآخر، بل إن أسوأ ما فيها ترسيخ سياسة القطيع من خلال استغلال الجماهير لتحقيق أهداف ذاتية ليس لدى تلك الجموع نصيب فيها غير اطلاق حناجرهم كل حين وآخر بالتأييد والمساندة.. بينما عملت الأنظمة الاستبدادية منذ الاستقلال على عرقلة نمو الحياة الحزبية السياسية، وأصابت هياكل الأحزاب بتشوهات تستلزم وقتا طويلا لمعالجتها، وانصرف جانب كبير من جهود الأحزاب نحو محاربة تلك الأنظمة بدلا من بناء البلاد بالصورة الديموقراطية التي تفترض وجود التنوع السياسي وبالتالي افساح المجال أمام كافة الجماعات السودانية بمختلف توجهاتها للانخراط في مهام تحقيق التقدم والتنمية وادارة التنوع بالصورة المثلى التي تحقق الخير للجميع، ومع ذلك فإن ما تحقق من تدمير للقوى السياسية ينبغي أن يحفز على تفادي الوقوع مجددا في الفوضى الناجمة عن الانفراد بالسلطة إذا توفرت الارادة والوعي اللازمين وإذا أدرك الجميع أن لا خلاص سوى بالمشاركة الجمعية في ادارة البلاد في أجواء الحرية والديموقراطية..
(
تعليق: 0)
|
|
|